السيد الطباطبائي
56
تفسير الميزان
وحسن عاقبتهم وإلى وصف ما يلقاء الظالمون وهم غيرهم في عقباهم من أهوال القيامة وعذاب الآخرة . ووراء ذلك في خلال الآيات من إجمال بعض الأحكام والانذار والتخويف والدعوة إلى الحق وحقائق المعارف شئ كثير . قوله تعالى : ( ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير ) القدر مقابل البسط معناه التضييق ومنه قوله السابق ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) والقدر بفتح الدال وسكونها كمية الشئ وهندسته ومنه قوله : ( ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) أو جعل الشئ على كمية معينة ومنه قوله : ( فقدرنا فنعم القادرون ) المرسلات : 23 . والبغي الظلم ، وقوله : ( بعباده ) من وضع الظاهر موضع الضمير ، والنكتة فيه الإشارة إلى بيان كونه خبيرا بصيرا بهم وذلك أنهم عباده المخلوقون له القائمون به فلا يكونون محجوبين عنه مجهولين له ، وكذا قوله السابق : ( لعباده ) لا يخلو من إشارة إلى بيان إيتاء الرزق وذلك أنهم عباده ورزق العبد على مولاه . ومعنى الآية : ولو وسع الله الرزق على عباده فأشبع الجميع بإيتائه لظلموا في الأرض - لما أن من طبع سعة المال الأشر والبطر والاستكبار والطغيان كما قال تعالى : ( إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى ) العلق : 7 ولكن ينزل ما يشاء من الرزق بقدر وكمية معينة إنه بعباده خبير بصير فيعلم ما يستحقه كل عبد وما يصلحه من غنى أو فقر فيؤتيه ذلك . ففي قوله : ( ولكن ينزل بقدر ما يشاء ) بيان للسنة الإلهية في إيتاء الرزق بالنظر إلى صلاح حال الناس أي إن لصلاح حالهم أثرا في تقدير أرزاقهم ، ولا ينافي ذلك ما نشاهد من طغيان بعض المثرين ونماء رزقهم على ذلك فإن هناك سنة أخرى حاكمة على هذه السنة وهي سنة الابتلاء والامتحان ، قال تعالى : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) التغابن : 15 ، وسنة أخرى هي سنة المكر والاستدراج ، قال تعالى : ( سنستدرجهم من حيث لا يشعرون وأملى لهم إن كيدي متين ) الأعراف : 183 . فسنة الاصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الانسان إلا أن يمتحنه